مدينة الخبز
طشقند مدينة الخبز
إن من المشاهد التي تلفت انتباه السائح في أوزبكستان أنواع الخبز المنتشرة في
أسواقها وشوارعها بأشكالها المختلفة، لتظهر تفنن الخبازين في تحضيره، فبجانب الطعم،
يحمل الشكل أهمية قصوى.
تشتهر كل مدينة في أوزبكستان بخبزها الخاص، أما العاصمة طشقند فقد اشتهرت باسم
"مدينة الخبز" ويعود سبب هذا المسمى إلى رواية كتبها الكاتب الروسي "الكسندر
نيفروف" A.Nevrov عام 1923 .
الرواية تدور حول رحلة فتى فلاح يبلغ من العمر اثنا عشر عامًا يدعى
"ميشكا" يترك بلدته في منطقة الفولغا في روسيا بسبب المجاعة التي تقتل
والده وجده وجدته، ويسمع من رجال القرية أن الكثير يسافرون إلى طشقند بالقطار حيث
الخبز متوفر فيها بكثرة ورخيص الثمن.
يصل الفتى "ميشكا" إلى طشقند بعد شق الأنفس ويصاب في الطريق بالحمى
والإسهال، ويجد عملًا في بستان أحد الأثرياء الأوزبك وينفق بعض ما اكتسبه من المال لدفع بطاقة العودة، وفي الختام يعود إلى قريته ممتلئ الجسم أسمر البشرة في أواخر
الخريف ومعه كيسان ضخمان من الحبوب، إلا أنه يجد أمه وقد مرضت مرضًا شديدًا بينما
مات إخوته جوعًا.
الرواية تستند في معظمها إلى انطباعات "نيفروف" الشخصية حول المجاعة التي ضربت
مناطق "باشكيريا" و"سمارا" و شبه جزيرة القرم وأجزاء من
أوكرانيا وكازاخستان وغرب جبال الأورال في الفترة ما بين عام 1921-1923، والتي راح
ضحيتها ما يقارب السبعة ملايين شخص حسب
البيانات السوفيتية الرسمية.
ولعل الكثير يتسائل عن سبب هذه المجاعة. الواقع أن هناك عدة أسباب أدت إلى هذه الكارثة الإنسانية، ومن أهمها:
سياسة المصادرة القسرية للحبوب التي نفذتها فرق
التموين خلال الحرب الأهلية في روسيا عام 1918 . السبب الآخر هو جفاف عام 1921 حيث
دمر نسبة كبيرة من المحاصيل.
لقد اضطر الناس في هذه المناطق إلى أكل الحيوانات النافقة والقطط والكلاب
والجرذان والغربان حتى وصل الأمر إلى أكل لحوم البشر.
في اغسطس من عام 1921 وجهت الحكومة السوفيتية مذكرة إلى المجتمع الدولي تطلب
فيها المساعدة في مكافحة المجاعة، وتذكر المصادر أن الولايات المتحدة وتركيا وتشيكوسلوفاكيا
قدمت مساعدات عاجلة لهذا الغرض، وقامت الحكومة السوفيتية بعدة إجراءات للحد
من عواقب هذه الكارثة ومنها مصادرة ممتلكات الكنائس والأديرة في روسيا السوفيتية.
لقد كانت هذه المجاعة أكبر كارثة غير عسكرية تضرب روسيا، ومع نهاية عامي 1924
و1925 تحسن الوضع والإنتاج الزراعي، وعاد العمل في الأسواق المحلية وتراجع معدل
الوفيات، إلا أن الفلاحين بقوا فقراء ومثقلين بالخسائر.
تأثرت أوزبكستان والتي كانت تعرف حينها بجمهورية تركستان السوفيتية ذات الحكم
الذاتي بدرجة أقل من روسيا وأوكرانيا، وكانت حالات الوفيات فيها أقل، إلا أنها
شهدت نقصًا حادًا في الغذاء وارتفاع الأسعار.
تمت ترجمة الرواية إلى خمس عشرة لغة، وفي الستينيات من القرن الماضي حولت إلى
فيلم يحمل عنوان "طشقند مدينة الخبز".
يحمل الخبز اليوم في التصور الشعبي لدى سكان آسيا الوسطى رمزية مقدسة فلا يقطع
بالسكين احترامًا، ولا يرمى في سلات الفضلات، ويعد غرضًا أساسيًا عند الزيارات
العائلية وفي مناسبات الخطوبة والزواج، ولا تخلو مائدة أو طعام منه.
تشتهر مدينة سمرقند بخبز لا يوجد مثيله في باقي مناطق أوزبكستان، وقد حاول
الكثيرون انتاجه في مناطق أخرى داخل البلاد إلا أنه لم يعط نفس الطعم، ولعل السبب
يعود إلى نوعية ماء وهواء سمرقند، ويعد الخبازون من مناطق وادي فرغانة المشهورة
بالزراعة والفواكه في غرب أوزبكستان أفضل من يحضرون الخبز، حيث تجد في مداخل
المنطقة المئات من المخابز يقف عندها المسافرون ليشترون الخبز الطازج ويحملونه
معهم، فمن المعيب أن يدخل شخص بيت أحد دون أن يحمل معه بعض الخبز.

تعليقات
إرسال تعليق