لقاء بعد أكثر من ربع قرن

 





 

كان قلبي يخفق بشدة، وأحاسيس تراودني من كل صوب...لا أعرف أيها أنا، شوق وحنين،  وفي نفس الوقت فرحة ورغبة في البكاء....  كانت هذه مشاعري وأنا أقود السيارة صاعداً عقبة ضلع....انظر إلى اللوحات الجانبية... أبها ٤٠ كم.....ياه !!٤٠ كيلومترا فقط بعد أن كنت بعيدا عنها مدة ثلاثون عاماً؟ وعلى بعد اولوف الكيلومترات؟ ...فتحدثني نفسي وتقول " أصبر لم يتبق إلا القليل". 

أنظر بين المنعطفات إلى القمة...نعم هناك الحي المطل على العقبة ولكنه يبدو أنه...توسع وتغير...ولكن يا أبها لا أريدك أن تتغيرين....أريدك كما كنتِ قبل ثلاثون عامًا، أريد ان أشم هوائك حتى الثمالة، ورائحة ترابك  بعد المطر...أريد أن أطفو بين ضبابك الرهيف. ..كيلومترات وأكون في حظنك..!

فتحنا نوافذ السيارة ، فدخل الهواء البارد المنعش ، بينما حر تهامة بقي في الأسفل يتوعد الهابطين. بدأت رئتي تتشبع ثانية...نعم إنه نفس الهواء لم يتغير،  لكن السيارات زادت، والطرق اتسعت، والجسور امتدت، والشوارع تغيرت ، وأنا في خضم ذلك أبحث فيك عن أي ذكرى،  حتى وإن كان حجراً أو دكاناً أو بشراً. 

وقفنا في بيت في حي الموظفين، حي كان صغيرا على جانب الطريق إلى خميس مشيط ، ولكن الآن أصبح كمدينة مستقلة بها جميع الخدمات.

جلس أقاربي الشباب يتشاورون أين نتغدى وأين نسهر...بينما أنا ازداد هيجانا واضطرابا...أريد الذهاب إلى بيتنا في الصفراء،  أريد رؤية محلنا في الجمعية الخيرية،  لا يهمني ماذا نتغدى،  لا يهمني السهر ولا المطاعم،  أريد ان أبقى هناك بين جدران بيتنا.....لعلي أسمع صوت أمي مرة أخرى. 

بقي معظمهم في البيت وأخذني ولد اختي إلى السوق أولا،  سوق يحمل بين جدرانه صيحاتنا وصراخنا ونحن نجري،  نتزحلق أحيانا على أرضيته الملساء، نصنع كرة من بقايا الأقمشة لنلعب كرة القدم بين الأذان وإقامة صلاة العشاء.

أنظر إلى الشوارع وإذا هي ليست كما عهدتها،  بيوت جديدة ، أسواق وسوبرماركتات مهيبة على جانبي الطريق....أين أنت يا محبوبتي كما تركتك؟

فجأة اقترب من عند القصبة وبدأت تلك الطلعة ثم ذلك الإنحدار إلى وسط أبها....فجأة غمرتني السعادة...نعم يا حبيبتي ها هي تلك الأشجار،  هاهي بيوتك القديمة...هذا ما أريده يا عزيزتي. 

نبض قلبي بعد أن لمحت السوق من بعيد..اقتربت منه رأيته كما هو وكأنه يعاتبني،  رأيت الحزن في وجهه،  لا تحزن يا حبيبي فها أنا عدت ...عدت حتى أحضن كل كيانك. 

اللون كما هو أصفر فاتح بهندسة المعمار في عسير...لكنه هرم وشاخ مثلي.

 توقفت السيارة عند المسجد ، نزلت مسرعاً تاركًا قريبي يبحث عن موقف،  نظرت إلى المنارة فإذا هي كما تركتها،  تقف شامخة تحكي قصصنا، تريد أن تبوح بقصص أصدقائي،  عبدالوهاب وفوزي ويحي وياسين ونوري وأحمد.... تذكرني بأحاديثنا قبيل الصلاة ونحن نرتدي السترات الدافئة،  أكبر همنا كان متى نلعب كرة القدم ومتى ننزل تهامة لنتناول ذلك مضغوطها الذي لا يتكرر في أي بقعة في العالم. 

دخلت السوق من جهة المسجد،  الدور الأول كان فارغاً من الزبائن، أضواء خافتة ومحال مغلقة،  فمشيت حتى منتصف السوق، وهناك ارتقيت الدرج إلى الدور الثاني...حيث  في الزاوية هناك كان محلنا،  اصعد وانا التفت يمنة ويسرة للمحال، لعلي أرى أحد المعارف،  ولكن لا، كلهم باعة جدد.

اقتربت من محلنا واذا هو قد انقسم إلى قسمين،  قسم يبيع الفساتين الجاهزة والنصف الآخر مقفل وبداخله صناديق وأدوات مبعثرة. دخلت المحل لعلي أرى آخره حيث النوافذ التي كنا نرى عبرها الشارع المحاذي وأصوات السيارات، وصياح المحتفلين بفوز المنتخب، نجري أحيانا ننظر إلى المطر المنهمر القوي،  يصاحبه هواء يحمل الملابس والبضائع فنقفلها. ...لكن تحسرت ولم أجد تلك الصور،  وجدت ديكورات حديثة تغطي الجدران والسقوف.

أخبرت البائع اليماني بأن هذا المحل كان يعود لنا قبل أكثر من ٣٥ عاما،  فتبسم ولم يبدي اي حديث. 

خرجت من المحل وروحي لا تريد الخروج،  تريد البقاء تبحث عن ذاكرة أو لمحة من ذاك الماضي، صوت أبي قادمٌ يريد التأكد من اهتمامنا بالزبائن، يحمل عصاه ، بلحيته الكثة البيضاء، أو صوت أخي يصيح على الاريتيرين المزعجين، بأن المقاسات قد نفدت...رأيت يمنة ويسرة لعلي أرى تلك الجدران البيضاء، أريد أي ذكرى لكن...كل شيء قد تغير.   

خرجت ونظرت إلى الجهة المقابلة ، حيث كان محل رحيمي عبدالبصير رحمه الله ، قبل أن ينتقل إلى خميس مشيط،  وبعده أصبح محلا لرحيمي أبو حبيب،  فتذكرت مساعده البنغالي وركضه يمنة ويسرة ليالي العشر الأواخر من رمضان،  يركض يبحث عن مقاسات الأحذية في وسط موج من المشترين،  أصوات الأطفال وصياح الأمهات،  وامعتعاض الآباء،   صور مألوفة كانت قبيل العيد....وبعد أن شاهدت وجال بصري في كل أنحاء سوقنا العزيز، وقفت اتسائل ...أين ذهب كل هؤلاء؟ أين ذلك الصخب وأين ذهبت تلك الأيام...لقد كانت  أسألة لم يجد السائلون لها جوابًا قبلي...يتبع

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وباء الكوليرا – طشقند 1892

مدينة الخبز

قصر أمير بخارى الصيفي