عربي في سوق الماشية في طشقند

 


 

دخلت سوق الماشية الصاخب في أطراف طشقند والباعة والمشترون تتعالى أصواتهم وهم في جدال حول الأسعار والمقايضات ، البائع أراه  متمسكا في رأيه والمشتري يحاول أن يخفض السعر قليلاً وبينهما يقف آخرون كوسطاء خير ليتم البيع،  وهولاء في الحقيقة باعة أيضا يحاولون قدر الإمكان إرغام المشتري على سعر البائع رفيقهم.

كنت وقتها أعمل في السفارة السعودية وبمناسبة زيارة صديق لبعض الزملاء ، ذهبت لشراء خروف ، وعندما سألت عن الأسعار وجدتها مناسبة لحد ما، حيث كان سعر الخروف ما بين خمسين إلى سبعين دولارا وقتها.

 وقبل أن تتفق مع البائع يكون الجزار واقفًا يستمع بإهتمام لحديثكما، يحاول أن يستقرأ من كلامتك مدى كرمك وسخاء يدك، حتى يتفق معك هو الآخر أيضاً على أتعابه،  بعضهم يتفق معك على سعر معين ، والبعض يطلب منك كيلو جرامًا واحدًا من اللحم مقابل عمله،وهذا كان المتبع وقتها،  كما أن الرأس والمصران تبقى في المسلخ ولا يأخذها أحد، حيث لا تنتشر عادة طبخ رأس الذبيحة كثيرا عند الأوزبك ، وآخر النهار يأتون  التجار ويشترون تلك الجلود والمصران.

كنت خلال حديثي معهم،  اتصل بزميلي السعودي في السفارة لإبلاغه بسعرالذبيحة وحجمها، فجأة قال الجزار وقد انفرجت أساريره : "هل أنت عربي ؟ فأنا عربي أيضًا!".

كانت ملامحة ليست عربية بحتة، ولكنه يختلف عن الأوزبك كثيرًا ، قريب لبعض الطاجيك ، فسألته ما يعرف من الكلمات العربية فقال متفاخرًا " سكين - بيت- ماء- أم" وأخذ يعدد كلمات أخرى، فقلت هل تستخدمونها في حياتكم اليومية فأومأ  بالإيجاب، ثم أشرت إلى الخروف وقلت" ما هذا؟ " فقال " نعجة" . بعدها بدأ ينادي على الآخرين قائلاً " هؤلاء عرب أيضاً" ، بدا لي  أنه كان أفضلهم في حفظ الكلمات العربية وكان ينطقها صحيحة بمخارجها،  وخاصة حرفي الحاء والعين ، وهي الحروف التي يعاني السكان المحليين في لفظها ويجدون صعوبة في نطقها.

يعمل معظمهم في رعي الماشية، يأتون بها من نواحي بخارى وغجدوان،  ويتحدثون الطاجيكية والأوزبكية ولكن لديهم لغة خاصة يستخدمونها بينهم،  يقولون أنها عربية، إلا عند السماع لهم تجد صعوبة في فهمها.

 أثناء الحديث أخذوا في التجمع حولي، وشعروا بشيء مشترك يجمعني بهم، وبعد قليل اقترب أحدهم مبتسمًا، وكان ضخم البنية، وسلم علي بحرارة ، فسألته " :

-          هل تعلمون من أين أنتم أو من أي قبيلة عربية ؟

 فقال أنهم من العراق ، إلا أن البعض الآخر تتدخل وقال أنهم من بني تميم ، من السعودية أو "عربستان"،  كما هو شائع،  إلا أنهم لا يعرفون من أي قبيلة بالتحديد ، فالكثير منهم يفتقرون إلى ثقافة ومعلومات عن أصولهم وتاريخهم.

للدكتور محمد البخاري رحمه الله بحث مهم عن العرب في تركستان باسم "العرب في بلاد ما وراء النهر" حيث يقول :

"ذكر برتولد مؤسس مدرسة الاستشراق الروسية في كتابه "العالم الإسلامي" الذي نشر عام 1918 "، أن العرب احتفظوا بقوة بشخصيتهم القومية، وتركيبتهم وتسمياتهم القبلية البدوية في تركستان حتى الآن، ولو أنهم فقدوا لغتهم العربية. واستوطنت القبائل العربية البدوية في البلدان المفتوحة ليس كقبائل متفرقة، بل في مجموعات قبلية كبيرة. وأن العرب المذكورين كلهم انقسموا إلى شماليين وجنوبيين، وأن القسم الأعظم منهم كانوا في المجموعات الرئيسية من قيسيين وكليبيين، وكانت القبائل العربية الشمالية مقسمة بدورها إلى نزاريين أو معديين (ومعد كان ابن عدنان، ونزار كان ابن معد)، وضمت مجموعة مضر (التي ينسب لها القيسيون)، ربيعة، ووائل؛ والأخيرة بدورها انقسمت إلى مجموعات بكر، وتغلب. والعداوة بين مضر وربيعة كانت أشد من العداوة بين عرب الشمال، وعرب الجنوب؛ وعرب ربيعة أكثر من مرة انضموا إلى القبائل اليمانية ضد مضر. والمثال على ذلك استيطان المجموعات القبلية الكبيرة لبعض المناطق، التي قسمت شمال بلاد الرافدين إلى ديار مضر على ضفاف الفرات، متخذين من الرقة مركزاً لهم، وديار ربيعة على نهر دجلة، متخذين من الموصل مركزاً لهم، وديار بكر إلى الشمال منهما متخذين من أميد (في تركيا اليوم) مركزاً لهم، التي أبقت طابع التقسيم القبلي العربي على التسميات الجغرافية على الخارطة الجغرافية المعاصرة. بينما لم تكن هناك أية علاقة تقريباً بين التسميات الجغرافية والقبلية في شبه الجزيرة. وكانت المجموعات القبيلة الكبيرة منتشرة على مساحات واسعة في مختلف المناطق. وهذه واحدة من الأسباب التي جعلت من الخلافات التي ظهرت بحدة أثناء الإسلام أكثر منها قبل الإسلام. الخلافات القبلية أظهرت تضامناً قومياً كبيراً، انطلاقا من مصادر دينية ونسبية، وحتى أن اليمانيين في بعض الأحيان وقفوا ضد الفرس كأحفاد لإسحاق، بينما عرب الشمال كانوا من أحفاد إسماعيل
وتذكر المراجع المختلفة أن العرب عاشوا بكثافة في تركمانستان، وأوزبكستان، وطاجيكستان. وخاصة في المناطق الجنوبية منها. وتم بذل جهود في العديد من المراجع لتسليط الضوء وإعطاء معلومات تحليلية عن منشأ عرب تركستان انطلاقا من المعلومات المتوفرة عنها، من خلال دراسات ميدانية، ومراجع مكتوبة. وحاولت المراجع الروسية تتبع طرق الهجرة التي اتبعها العرب للوصول إلى تركستان. خاصة وأن الروس أنفسهم يعترفون بأن تقسيم عرب آسيا المركزية بين الجمهوريات التي تتشكل منها آسيا المركزية اليوم (أوزبكستان، قازاقستان، قرغيزستان، طاجيكستان، تركمانستان)، هو تقسيم رمزي لا أكثر، وأن التحليل يتطلب استخدام مواد تحدثت عن العرب في المنطقة بأسرها، وليس في كل جمهورية على حدة. وهنا لابد أن نشير إلى أن السلطات السوفييتية عمدت إلى تقسيم تركستان الروسية إدارياً إلى جمهوريات أوزبكستان وقازاقستان وتركمانستان وقرغيزستان وطاجيكستان في عام 1924 وما بعد.

توطدت علاقتي بهم بعد ذلك، وكلما ذهبت إلى ذلك المسلخ ، كان الحديث يأخذ طابعًا ثقافيًا وتاريخيًا، وكنت كثيرًا ما أسأل نفسي، كيف لعجلة التاريخ أن تنقل أناسا وشعوبا عن مواطنها، كيف جعلتهم يقطعوا كل تلك المسافات، يسيرون في الفيافي وبين الجبال، يدركهم الخوف والخطر من كل ناح، يسيرون وكأن القدر قد أصدر عليهم أحكامه، أحكام لا يجد المرء مناصًا إلا التسليم لها والرضا بها.

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وباء الكوليرا – طشقند 1892

مدينة الخبز

قصر أمير بخارى الصيفي