عقرب في قصر خدايارخان
خوقند أو قوقان كما يسميها أهلها، مدينة جميلة تقع في وادي فرغانة الزراعي، يشتهر
أهلها بالتجارة وبالحرف اليدوية، كانت عاصمة تركستان وفرغانة المعروفة بخانية خوقند
في الفترة من عام 1700إلى 1876، قبل أن تسقط بيد جنرالات الإمبراطورية الروسية
أواخر القرن التاسع عشر ويهرب آخر امراءها "خدايارخان" إلى طشقند ومن ثم إلى مدينة
"اورينبورغ" في روسيا. وهناك أبقته السلطات الروسية رهن الإعتقال، إلا أنه نجح في
الهروب، وتوجه نحو أفغانستان، ثم زار مكة المكرمة وأدى فريضة الحج، ثم سمحت له
الإمبراطورية الروسية بالعودة إلى مدينته، بشرط الإبتعاد التام عن السياسة، إلا أنه
توفي أثناء عودته ودفن في مدينة هرات الأفغانية عام 1882 عندما تزور خوقند وتسأل
المرشدين السياحيين عن أهم معالم المدينة، يتبادر على ألسنتهم قصر الحكم التاريخي
أو الذي يسمونه "ارك خدايارخان" أي قصر خدايارخان. زرت هذا القصر عام ٢٠١٩، قصر
كبير مرتفع تصعد اليه عبر ممر من الطابوق عرضه ٢٠ مترا تقريباً، وتقابلك بوابة
كبيرة من الخشب المنقوش بزخارف جميلة ودقيقة وذات تفاصيل هندسية كثيرة. عندما دخلت
القصر تذكرت رواية "عقرب في المحراب " للروائي والكاتب الشهيد عبدالله قادري، والتي
ترجمتها إلى العربية، فجال في خاطري موقف الحاكم "خدايارخان" وهو جالس على كرسي
العرش وحوله رجاله يقفون في خضوع وتذلل، ويدخل عليه كاتب الديوان الشاب "أنور"، دون
خوف أو جللل، ليسلم نفسه ويطالب بإطلاق سراح صديقه "سلطان علي" الذي كان قد أخذ
رهينة حتى يعود، وإلا لكان يُعدم بعد صلاة الظهر. استرجعت الحوار الذي دار بينه
وبين الخان، فترددت في ذاكرتي صياح أنور في وسط القاعة: " أمن الدين والأخلاق يا
صاحب العظمة والجلالة، وأنت المتزوج بالعشرات من النسوة ، وتتصرف بهن كما تشاء،
وتتخذ مئات الجاريات لشهواتك وغرائزك، أن تطمع نفسك في تلك الفتاة المسكينة التي
أحبتني وأحببتها؟ ". خرجت من القصر عبر ذلك الممر المرتفع ، فجال في خاطري صورة
"أنور" يسير وهو مكبل بالقيود نحو حفرة الموت، وأعدائه المنافسين له داخل بلاط
الديوان واقفون على جانبي الطريق. طلب أنور أن يتوضأ ويصلي قبل أن يربطوا يديه
خلفه، وبعد الوضوء صلي ركعتين، قام لكي تربط يداه ، نظر إلى الحضور ورأى عدوه الملا
عبدالرحمن "العقرب" يقف بينهم، ويبتسم بخبث وبنظرة فيها التشفي والنكاية، القى عليه
كلمات مؤثرة تبين مدى وظاعته وسفالته، ثم استلقى وأتى الجلاد حاملًا الخنجر ليعدمه
ذبحًا. هنا يصور عبدالله القادري المشهد كصورة مروعة ومقززة، مثلت فترة من فترات
تاريخ خانيات آسيا الوسطى، بمواقف تجلت فيها الشجاعة والرجولة والشهامة ضد مواقف
الخزي والنذالة. في روايته صور لنا عبدالله قادري كذلك وضع خانات تركستان قبل الغزو
الروسي القيصري، حيث كان الإستبداد والظلم سيدا الموقف، وبصرف النظر عن الدعايات
السوفيتية ضد رجال الدين والحكام ووصفهم بالقدماء الرجعيين، وإلصاق الكثير من الزيف
والأكاذيب بحقهم، إلا أن هذا لا يعطينا الحق في غض الطرف عما كان سائدًا وقتها من
تفشي للجهل والدروشة والخنوع والذل، وخوف رجال الدين من كل جديد، ودعواتهم
المتتالية للشعب إلى الصبر وطاعة ولي الأمر مهما تجبر وظلم . يقول المستشرق القس
الإنجليزي "جوزيف وولف" Joseph Wolff في كتابه "مهمة إلى بخارى" الذي قام برحلة إلى
المنطقة عام ١٨٤٣ لمعرفة مصير اثنين من الضابط الإنجليز أعدمهما نصر الله خان حاكم
بخارى: " إن روسيا لو أرادت إحتلال هذه البلاد، فسوف تسلك طريق سايرام وآق مسجد ولن
تجد أي مقاومة تذكر، فالشعب المتذمر غير مستعد ليطلق رصاصة واحدة ضد الغزاة" . تبلغ
المساحة الإجمالية لقصر خدايارخان 4 هكتارات، وارتفاع الأساس ثلاثة أمتار، وبسبب
ارتفاعه يتم الدخول إلى البوابة الرئيسية من الجهة الشرقية، عبر ممر مرتفع . عند
المدخل، أعلى البوابة الرئيسية، يوجد نقش مكتوب ومحفور باللغة العربية : "القصر
الأعلى للسيد محمد خدايارخان خان". تتطابق الحروف مع النمط الموجود على الأبواب
المصممة بشكل متقن، وتوجد على اليمين مئذنة مبطنة ببلاط السيراميك. كان طول القصر
في شكله الأصلي 138 مترًا وعرضه 65 مترًا. يتكون القصر من أكثر من 100 غرفة في 7
قصور. تم تزيين العديد من الغرف بالخشب المحفور والمنحوتات الجبسية، والأفاريز،
ويعتبر مجلس العرش الأكثر ثراءً، وكذلك غرفة الإستقبال والخزانة، حيث تم تزيين
ألواح الجدران والسقف بمناظر زخرفية، وبالعديد من الآيات القرآنية، وأقوال الفلاسفة
والحكماء، كانت هناك قاعة خاصة حيث أجرى الخان محاكمة مواطني الخانية. وكانت هناك
أماكن خاصة للخان وزوجاته، بالإضافة إلى غرف مفروشة بشكل فاخر لأطفاله. كان الحريم
يقع في أحد الساحات، ذات غرف صغيرة كانت تسكنها الجاريات والعديد من العبيد
المخصيين الذين خدموا القصر. إن الحروب بين إمارتي خوقند وبخارى كانت قد أضعفت
الإمارتين، وأدت الصراعات الداخلية على حكم خوقند إلى إضعاف الخندق الداخلي، وبعثرت
الجهود للتصدي للغزو الروسي القيصري، حتى أصبحت لقمة سائغة بعد ذلك.


تعليقات
إرسال تعليق